Make your own free website on Tripod.com

 

إضاءة حول مفهوم المدد الإلهي ودوره في تحقيق النصر

بقلم: الشيخ حسين زعيتر

لقد هدفت الرسالات الالهية الى توحيد الرؤية حول الايمان بالله الواحد من خلال النظرة التوحيدية للعالم الذي يشمل ببعديه الشهودي والغيبي دائرة الفيض الالهي الذي سرت ينابيعه في شرايين العالم الاكبر الجامع لجميع الفيوضات والالطاف الالهية التي اظهرت الانسان في احسن صوره الانسانية فكان العالم والمدرك للحقيقة الكلية الجامعة لصفات الكمال والجمال. وكان مستودعا للعلم الالهي وكان الخلق كله لأجله ومن اجله، إن انجذاب الانسان للجمال واحد من اهم مرتكزات الايمان بهذه الحقيقة التي تجلت اولا في صورة الانسان التي تعكس صفات الجمال الالهية »إن الله خلق ادم على صورته« والتي حملت معها كل الاستعدادات والقابليات لبلوغ الكمال في خط تكاملي لمسيرته على الارض مستفيدا من الامكانيات الهائلة وفي طليعتها قوة الادراك والعقل التي تمثل الى جانب الوحي الظاهري للانبياء نبوة باطنة منفطرة على الحب والعشق لصفات الكمال والجمال المطلقة المنحصرة في الذات المقدسة »تعالت اسماؤه«.
إن تصور الادراك والعلم الانساني على ايدي الانبياء عليهم السلام والتي ساهمت رسالات السماء في صياغتها والتي انتجت للبشرية امثال الفيلسوف والعالم صدر الدين الشيرازي، وابو علي سينا، والامام الخميني رحمهم الله، وغيرهم الذين ساهموا في بناء الفكر الانساني المرتكز على الاستدلال العقلي بأبعاده الشهودية والفلسفية والعقائدية والمنطقية، فالانسانية مدينة لمثل هؤلاء العظماء الذين صنعوا بأعين الله ووحيه ليشكلوا حلقات متواصلة مع انوار الانبياء والائمةعليهم السلام.
فالانسان دائما هو المحور الاساس بين طرفي الغيب والشهود بل الانسان هو الغيب والشهود بوجهيه والانسان هو نقطة البداية في سفر الوجود »اول ما خلق الله نوري« الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله ولقد جسد نبي الانسانية جمعاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله المعنى الحقيقي للانسان الكامل جامع الصورة الكاملة لانعكاس الرحمة الالهية التي افاضها الله تعالى على البشرية، وبذل عمره الشريف في سبيل تحقيق المعنى الحقيقي للتوحيد وللعبودية الخالصة للواحد الاحد، لقد شكل الرسول الاعظم‏صلى الله عليه وآله بسيرته واخلاقه وعبوديته لله تعالى ودعوته اليه لإقامة الحق والعدل وتأسيس الدولة الالهية القائمة على اسس العدل والقسط والرحمة انموذجا فريدا في تاريخ البشرية الى قيام الساعة. وكانت كل مفردة من مفردات الرسالة صورة مشعة في شخصيته أضاءت للانسانية طريق الهداية والصلاح أليس علم الله وحكمته هما القران العظيم الذي نزل على قلبه صلى الله عليه وآله وكان وعاء له.
إن حقيقة الشخصية الالهية للانسان لم تنفصل في حضورها بعالمي الشهود والغيب لأن الغيب والشهود في الحقيقة هما عالم واحد متصل لا كثرة فيه ومترابط ارتباطاً وجودياً واذا افترضنا غيبا ما فإن الستار الذي يحجب هذه الحقيقة هو داخل الانسان الذي نأى بروحه وعقله عن هذه الحقيقة ولعل كلام سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين عليهم السلام في دعاء عرفة يعطي هذا المعنى حيث يخاطب المولى تعالى »متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل اليك عميت عين لا تراك عليها رقيبا وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا«.
فالعماء الروحي هو الحاجب الاكبر بين الانسان والخالق وبين الانسان وعالم الغيب لأن الغيب في ذلك هو انفصال الانسان عن هذه الحقيقة بإنيّته وانانيته وهذا اصل الابتعاد عن دار الحق والوصول، ولقد اشار الامام الحسين عليهم السلام الى ذلك بالحب فحصوله وعدمه يعتبر حداً فاصلاً »وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً« فهذا الخسران هو الابتعاد عن مصدر النور الالهي. فالأنا هي بمعنى الاستقلال والابتعاد عن المصدر هي حجاب ظلماني يوجب الحرمان من محبة الله ويكفي بيان ذلك ما جاء به الوحي في خطاب الباري جلّ وعلا لمن وضع الأنا بينه وبين خالقها قال تعالى: »قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ء قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ء قال فاخرج منها فانك رجيم ء وإن عليك لعنتي الى يوم الدين« )ص/78-75) هذه الأنا أعمت عليه حقيقته المفتقرة الى محبة الله ورحمته فكانت سببا للابتعاد عن النور.
تلازم بين العقائد الفاسدة وانحراف الامم:
لقد أناخ الامم وأعمى عليها بصيرتها هذا النوع من الاستكبار فأذاقها الله وبال أمرها وأركنها الى ما حملت به من عقائد فاسدة ومظلمة انحرفت بها عن مصدر النور الالهي حيث ظهر الفساد في برها وبحرها بما كسبت واعتقدت وظلمت وافسدت رغم كل مظاهر القوة التي تمكنت بها ولعل هذا العصر هو من اكثر العصور التي سادت فيه مظاهر الظلم والفساد والانحراف عن حقيقة العلم والحق والعدل والرحمة والفضيلة، وان الصراع القائم في العالم يحتاج الى دحو عقائدي وثوري مبني على اساس »أن هذا العالم في محضر الله وفي محضر الله لا تفعلوا المعصية« الامام الخميني رحمهم الله والمعصية هنا كل ما وجب لوقوع الضرر والاضرار في المجتمع الانساني والذي يلقي باعباء المسؤولية على عاتق من هم في موقع التحدي والمواجهة مع ائمة الكفر الذين بلغوا اقصى درجات البغي والفساد بكل ابعاده الاخلاقية والاجتماعية.
ان حقيقة هذه المواجهة ترتبط بشكل مباشر وواقعي بحركة الرسالات والرسل واتباعهم من جهة، وبالمقابل حركة المستكبرين والمفسدين الذين يشكلون امتدادا تاريخيا لكل الطواغيت والظلمة على مر العصور، لذلك فإن هذا العصر يشكل بالبعدين الالهي والطاغوتي بلحاظ المواجهة عصارة لكل التجارب الانسانية السالفة التي تلقي بثقلها على عاتق اصحاب حركة الرسالات لتشكيل جبهة الحق والعدل والانتقام من كل ما هو في موقع الانحراف والافساد في العالم.
التمسك بالقيم:
لقد عبأ الاستكبار لهذا المعركة كل طاقاته وقدراته مستفيدا من التقهقر والترهل الذي اصاب المعسكر الاخر الا ان ما يختزنه اصحاب هذا المعسكر من طاقات وامكانيات هائلة على المستوى البشري والفكر الانساني والقيم المعنوية والاخلاقية ومن ارادة غير مقيدة بحدود المادة تجعله مؤهلا لاحتلال موقع المواجهة وبجدارة ليكون النقيض للمشروع الاستكباري بكل ما يحمل من مخاطر لهذه المواجهة خصوصا اذا ما كان السلاح الاقوى في هذه المواجهة هو في يد المعسكر الذي يسميه الامام الخميني رحمهم الله بالمستضعفين، وعلامات النصر شاهدة في كل العصور على طواغيت كل عصر في تاريخ البشرية. والقران الكريم افاض بها ولعل ظاهرة فرعون التي تمثل أعلى مستوى في الطغيان والعناد هي الابرز في هذه الدائرة البشرية السالفة. يخرج عليه الفتى موسى الرسول عليهم السلام ليدمر كل العقائد الفاسدة التي بنى عليها فرعون مملكته... »أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة واثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها« )الروم/9).
سلاح المواجهة:
ان سلاح فرعون وقدراته المادية وجبروته لم تمنع موسى‏عليهم السلام مواجهته والذي كان بمثابة الاعزل الا مما حمّله الله سبحانه وتعالى من عقائد سامية ودين قيم وراء يده وعصاه التي لقفت ما أفك السحرة وكاد فرعون. لقد اعطى الانبياء للتجربة الانسانية القمة الحقيقية للمفاهيم الالهية والسماوية وكان اعتمادهم مرتكزاً على قدرة الله تعالى الخالق الباري المصور القاهر فوق عباده ولم تكن عزائمهم الا بمستوى هذه الارادة في تحقيق النصر على الطواغيت وان النصر بابعاده الانسانية يشكل نقطة تحول في حياة الامم ليدفع بها نحو بناء المجتمع العادل ذي الابعاد الالهية والبحث في اسباب النصر في أي حقبة من تاريخ الامة يحتاج اولا الى دراسة معمقة حول شخصية الامة وهويتها وماهيتها وعمقها وتاريخها وعقائدها...
ان اول ما تحتاجه الامة في حركتها الانسانية في مواجهتها لأي مشروع مخالف للقواعد الانسانية هي صبغتها »صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون« )البقرة/138) لقد اعطى الله تعالى لامة محمد صلى الله عليه وآله صبغة لم تحظ بها أي من الامم من قبلها حيث قال تعالى: »كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله« )ال عمران/110).
وقال تعالى: »وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا« )البقرة/143).
إن النصر بمفهومه الالهي مرتبط بشروط واسباب جوهرية في حصوله وتحقيقه، وان الامداد الغيبي في حضوره لدفع اسباب هذا النصر ليس إلا من قبيل قابلية القابل والاستعداد لتلقي أي تدخل في ساحة المواجهة.وعطفا على ما تقدم ان حقيقة الغيب بالمفهوم الانساني العام هو تدخل ما هو خارج عن طبيعة المعركة وتقاليدها. لكن في البعد الالهي فالأمة التي تستعد للمواجهة يجب عليها ان تعي انها مستوفية للشروط الالهية والانسانية ام لا؟ واذا ما تحققت فيها تلك الشروط فإن جنود السماوات والارض حينئذٍ تخوض حربها.. فليس المعيار شيئاً اخر، وليس في عقل هذه الامة الباطني شي‏ء يمنع من استنفار كل جنود الرحمن ودخولها في معركتها ولقد تشتت جموع المسلمين في حنين وكانوا كثرة، فالمعيار اذاً تحقيق الشروط واهم الشروط هو اسقاط الأنا من حسابات الجموع وحضور عظمة الخالق في نفوسهم وان النصر بيده والهزيمة بيده »ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئا« )التوبة/25).
لهذا ان الاستعداد لمواجهة المشروع الاستكباري بما يمثل اليوم في العالم من طواغيت على رأسهم الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني الغاصب يحتاج في الدرجة الاولى حضورنا في ساحة الامداد واللطف الالهي الشهودي الغيبي على كلا الوصفين فلا مانع من ذلك وليس العكس، ان ارادتنا في صناعة النصر بالتوكل على الله وانه هو العين التي نرى بها واليد التي نبطش بها »وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى« )الانفال/17) هي الكفيلة بحشد كل الجنود الالهية في هذا العالم وانضمامها الى معسكرنا.
وان العزم في صناعة القرار والارادة تحتاج الى العلم والمعرفة بحقيقة هذا العالم الذي انبسط من يد القدرة والجبروت الالهي وان الانسان بما يمتلك من ايمان وعلم بحقيقة القدرة الالهية قادر على اخذ المبادرة في تحقيق الوعد الالهي للبشرية في سياقها التدافعي والتكاملي نحو قيام الدولة الالهية العالمية على يد مخلص البشرية الحجة بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه وما هذا الجمع المبارك لاولياء الله تعالى في المقاومة الاسلامية وحزب الله الا بارقة امل في تاريخ ومستقبل الامة نحو التمهيد لهذه المرحلة الكبرى من الصراع في العالم الذي لو لم يبق من هذه الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج قائم ال محمد صلى الله عليه وآله ليملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
فتاريخنا ملي‏ء بما يحمل الينا ما نستعد به للمرحلة المقبلة وحاضرنا يضج بما صنعه اولياء الله في معركة النصر المظفرة خلال السنوات الماضية والتي حطمت بيد القدرة الالهية جبروت بني صهيون في هذا العصر. والمستقبل يحمل الينا البشرى لاقامة المجتمع الانساني في ظل دولة الاسلام العادلة التي ستحطم وتجتث كل اصنام الضلال والفساد تحت لواء وحدانية الله الواحد القهار مصدر الخير والنور والرحمة به نستعين واليه ننيب.

الصفحة الرئيسية

صفحة الانتصار

admin@albehari.net