Make your own free website on Tripod.com

 

ملامح عصر الإمام الصادق (عليه السلام)

 ( 114 ـ 132 هـ )

 

تصدّى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) لموقع الإمامة بعد أبيه محمد الباقر (عليه السلام) سنة ( 114 هـ ) فكان مرجعاً في الدين والسياسة والفكر والثقافة للمسلمين عامة ولأتباع أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص.

وهذا الأمر نجده واضحاً في جوابه لأبيه عند ما أوصاه بصحابته وخاصّته. قال الإمام الصادق (عليه السلام): لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر اُوصيك بأصحابي خيراً. قلت: «جعلت فداك والله لأدعنّهم والرجل منهم يكون في مصر فلا يسأل أحداً»[1].

بهذا المستوى العالي من الإقدام الشجاع أعرب الإمام (عليه السلام) عن نواياه وبرنامجه الذي أعدّه لمستقبل الشيعة في ظل إمامته والخطة التي تؤهلهم لأن يكونوا ذلك النموذج السامي في المجتمع الإسلامي حيث يتحرّك كلٌ منهم برؤى واضحة المسار، بلا فوضى في الاختيار ولا ضلالة في الفكر والسلوك; لأنّ هذا الإعداد العلمي والثقافي يجعلهم أغنياء عن الأخذ من الغير ويرتقي بهم إلى مستوى استغنائهم عن سؤال أحد من المسلمين وغير المسلمين ماداموا قد تمسّكوا بالحبل المتصل بالله وهو حبل أهل بيت الرسالة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وكان الإمام الباقر (عليه السلام) قبل هذا الوقت قد هيّأ الشيعة وأعدّهم لأخذ معالم الشريعة من الإمام الصادق (عليه السلام) عندما قال: «اذا افتقدتموني فاقتدوا بهذا فإنّه الإمام والخليفة بعدي وأشار إلى إبنه جعفر»[2].

وباشر الإمام الصادق (عليه السلام) مسؤولياته بدءً بالتعريف بإمامته وإثباتها بشكل علمي وعملي.

جاء عن عبد الرحمن ابن كثير : إنّ رجلا دخل المدينة يسأل عن الإمام، فدلّوه على عبد الله ابن الحسن، فسأله هنيئة ثمّ خرج، فدلّوه على جعفر بن محمد(عليه السلام) فقصده فلمّا نظر إليه جعفر (عليه السلام) قال: «يا هذا إنّك كنتَ دخلتَ مدينتنا هذه، تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتية من ولد الحسن فأرشدوك إلى عبد الله بن الحسن، فسألته هنيئة ثم خرجت، فإن شئت أخبرتك عمّا سألته، وما ردّ عليك. ثم استقبلك فتية من ولد الحسين، فقالوا لك: يا هذا إن رأيت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل فقال: صدقت كان كما ذكرت»[3].

وهكذا أخذ الإمام (عليه السلام) يمارس ألواناً من الأساليب لئلاّ يضيع أتباع أهل البيت بين القيادات المتعدّدة إلى أن تبلور في الأذهان أنّ الإمام جعفر بن محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الرمز الإلهي والقائد الحقيقي للاُمة بعد أبيه الباقر (عليه السلام).

واستمر الإمام بتعزيز خطواته فتحرّك باُسلوب آخر بغية تعميق العلاقة بينه وبين الوجود الشيعي الذي أعدّ تفاصيله ورسم معالمه الإمام الباقر (عليه السلام).

ومن هنا نجد الإمام الصادق (عليه السلام) يشحذ هممهم ويثير في نفوسهم الحماس ويخاطب مواطن الخير والقوة فيها مشيراً إلى أنّ الكثرة من الناس قد خذلتهم وجهلت حقّهم. وإنّ المسلم الذي تحمّل ساعة الشدة وبقي ملازماً لهم حتَّى صقلته التجارب ولم يستجب للإغراءات لهو جدير بحمل الأمانة ومواصلة الطريق معهم.

ولنقرأ النص الثاني الذي يرتبط بجماعة موالية لأهل البيت (عليه السلام) من الكوفة على الإمام الصادق (عليه السلام) في المدينة بعد استشهاد أبيه. قال عبد الله بن الوليد: دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) في زمن بني مروان، فقال ممن أنتم؟ قلنا: من الكوفة. قال: ما من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، لا سيّما هذه العصابة[4]، إنّ الله هداكم لأمر جهله الناس فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وبايعتمونا وخالفنا الناس، وصدّقتمونا وكذَّبنا الناس، فأحياكم الله محيانا، وأماتكم مماتنا[5].

1 ـ الوضع السياسي

لم يكن الوضع السياسي الذي يريد أن يتحرك في وسطه الإمام الصادق (عليه السلام) قد تبدّل. فهشام بن عبد الملك الذي أقدم على اغتيال الإمام الباقر (عليه السلام) لازال هو الحاكم وسياسته مع الإمام الباقر (عليه السلام) وشيعته هي السياسة نفسها وهي سياسة قائمة على أساس الحقد الجاهلي وتتلخص في التشريد والاضطهاد.

إنّ الثائر زيد بن علي(عليه السلام) يكشف لنا عمق المأساة التي كانت تعيشها الاُمة آنذاك، حين تعرّض هذا الثائر العظيم في زمن الإمام الباقر (عليه السلام) لإذلال وتوهين من قبل هشام باعتباره أحد رجال الشيعة ومن رموزها البارزين.

أخذ زيد يزداد قناعة بضرورة الثورة ضد الاُمويين حتى صمّم على ذلك بلا تردّد، وبدوافع إسلامية خالصة.

وحين ذكر جابر بن يزيد الجعفي رأي أخيه الباقر(عليه السلام) بثورته وسلامة قراره وذكر له أنه مقتول لا محالة. قال زيد لجابر:

يا جابر لم يَسَعن أن أسكت، وقد خولف كتاب الله وتحوكم بالجبت والطاغوت، وذلك أنّي شاهدت هشاماً ورجل عنده يسبّ رسول الله. فقلت للسابّ: ويلك يا كافر! أما إني لو تمكّنت منك لاختطفتُ روحَك وعجّلتَك إلى النار. فقال لي هشام: مَه، جليسنا يا زيد.

قال زيد لجابر: فوالله لو لم يكن إلاَّ أنا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتَّى أفنى[6].

والرواية التالية أيضاً تصوّر لنا حقيقة دوافع زيد ومدى عزمه على مناهضة بني اُميّة:

فعن محمّد بن عمر بن علي (عليه السلام) قال: كنت مع زيد بن علي (عليه السلام) حين بعث بنا هشام إلى يوسف بن عمر، فلمّا خرجنا من عنده وسِرنا حتى كنّا بالقادسية قال زيد: اعزلوا متاعي عن أمتعتكم، فقال له ابنه: ما تريد أن تصنع؟

قال: اُريد أن أرجع إلى الكوفة، فوالله لو علمت أنّ رضى الله عزَّ وجلَّ عَنّي في أن أقدح ناراً بيدي حتَّى إذا اضطرمت رميتُ نفسي فيها لفعلت، ولكن ما أعلم شيئاً لله عزَّ وجلَّ عني أفضل من جهاد بني اُميّة[7].

والتحق مع زيد كثير من الفقهاء والمحدثين والقضاة من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)[8].

وعندما قرّر الثورة، لم يتجاوز إمام عصره حيث طرح الأمر على الإمام الصادق (عليه السلام).

قال الإمام موسى الكاظم(عليه السلام): سمعت أبي يقول: رحم الله عمّي زيداً... لقد استشارني في خروجه، فقلت لهُ: يا عمّ إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة[9].

وهكذا أقرّ الإمام الصادق (عليه السلام) سلامة قراره كما أخبره بنبأ شهادته.

أمّا توجيهات الإمام الصادق (عليه السلام) للمخلصين من أصحابه حيال الثورة بشكل عام فكانت من نوع آخر حيث لا يريد الإمام (عليه السلام) أن يلقي بكلّ ثقل وجوده في معركة واحدة.

فعن أبي بكر الحضرمي أنه قال: ذكرنا أمر زيد وخروجه عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: «عمّي مقتول. إن خرج قُتِل، فقرّوا في بيوتكم، فوالله ما عليكم بأس»، فقال رجل من القوم: إن شاء الله[10].

زيد يعلن الثورة

وجمع زيد بن علي الأنصار والدعاة فأعلن ثورته والتحق به عدد غفير.

لكن المتتبع للوضع السياسي والأخلاقي لتلك المرحلة، يرى أنّ الاضطراب العقائدي والأخلاقي كان سمة من سمات ذلك العصر بالرغم من وجود قناعة كانت تعيشها الاُمّة وهي التذمّر من بني اُمية وجورهم من جهة وتوجّههم إلى أنّ البديل السياسي المرتقب هو الخط العلوي الذي كافح الظلم وتحمّل ألوان العذاب من الحكم الاُموي المنحرف. لكن هاتين القناعتين ـ كما سترى ـ لا تفيان بكامل الشروط الموضوعية لنجاح الثورة.

غير أنّ الثورة على مستوى حاجة مسيرة الاُمةتعتبر ضرورة اجتماعية وسياسية لئلا تتنازل الاُمة مطلقاً للظالمين عن حقوقها وشخصيّتها ولتحافظ على هويّتها الإسلامية من حيث الحيوية والحسياسية ضد الباطل بشكل عام.

من هنا كان العمل الثوري مفيداً للاُمة وإن لم تنجح الثورة على المدى القريب. وهكذا نجد الإمام (عليه السلام) مع علمه بنتائج الثورة يعمّق هذا المفهوم في نفوس الشيعة ويدعم الثّوار كما سنرى.

لقد فَجَّر زيد ثورته وحقَّق نصراً حاسماً ضد الاُمويين بعد ان خاض حرباً طاحنة كادت أن تنتهي لصالح زيد لولا وقوع الفتنة في صفوف أتباعه حيث احتال عليه بعض من كان يهوى هشاماً فدخلوا عليه وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال زيد: رحم الله أبا بكر وعمر صاحبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: أين كنتم قبل اليوم؟

لقد كان الغرض من إلقاء السؤال في ذلك الموقف الحرج وفي ساحة الحرب هو أحد أمرين وفي كليهما نجاح تلك الخدعة وتحقيق تلك المؤامرة، فإما أن يتبرّأ زيد من الشيخين فيكون حينئذ أقوى لقتل زيد; لأنه يسيء القول في الشيخين وتلك وسيلة اتّخذها الاُمويون ومن بعدهم للقضاء على خصومهم. وإمّا أن لا يتبرأ ممن ظلم أهل البيت حقّهم فيكون جوابه على أيّ حال سبباً لايجاد الخلاف بين أصحابه.

وبالفعل نجحت المؤامرة وتفرّق أهل الغدر وذوو الأطماع وكانت هذه الحيلة من الوالي يوسف بن عمر أقوى سلاح لجأ إليه، كما أغرى بعض جواسيسه بالأموال ليتعرّف على أصحاب زيد[11].

وخُذِل زيد وتفرق جيشه حتَّى قال: أراها حسينية. وبعد قَتله حملت جثته وصلبت بالكناسة بالكوفة[12] وذلك في سنة ( 121 هـ ).


[1] الارشاد : 1 / 40 ، وبحار الأنوار : 47 / 12 .

[2] كفاية الأثر : 254، وبحار الأنوار : 47 / 15.

[3] المناقب لابن شهر آشوب: 3/349، وبحار الأنوار: 25/184، و: 47/125.

[4] يقصد الشيعة لأنها أخص.

[5] امالي الشيخ الطوسي : 1 / 143، وبحار الأنوار : 68 / 20 ح34.

[6] حياة الإمام محمّد الباقر، دراسة وتحليل : 1/72.

[7] تيسير المطالب : 108 ـ 109.

[8] راجع كتاب زيد الشهيد للسيد عبد الرزاق المقرم حيث تجد قائمة باسماء الشخصيات التي شاركت مع زيد في ثورته.

[9] الكناسة اسم محلة بالكوفة. راجع عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/248.

[10] كشف الغمة: 2/198 ـ 199، بحار الأنوار: 47/148.

[11] تاريخ الاُمم والملوك : 8/277.

[12] النزاع والتخاصم للمقريزي: 31، وأنساب الأشراف: 3 / 439 و 446.

الصفحة الرئيسية

صفحة السراج المنير

admin@albehari.net